قسم: أسواق السلع والطاقة
28 يونيو 2026 | هرمز فيو
في الثالث والعشرين من يونيو، كان برميل خام برنت يتجاوز 95 دولاراً. بحلول الجمعة 27 يونيو، انزلق إلى ما دون الـ72 دولاراً. أما خام غرب تكساس فكسر حاجز السبعين لأول مرة منذ السابع والعشرين من فبراير — اليوم التالي مباشرة لبدء الحرب الأمريكية الإيرانية. في أقل من أسبوع، تبخّر من قيمة البرميل أكثر مما يكسبه كثير من موازنات المنطقة لو أُضيف إلى الأسعار.
الانخفاض الأسبوعي الذي تجاوز 10% كان الأحدّ منذ شهر كامل. ولمن تعوّد على تحليل أسواق النفط، الرقم وحده لا يروي القصة الكاملة. القصة الحقيقية في التناقض العميق بين ما تُعلنه دول الخليج وما يفعله السعر.
مفارقة الإنتاج والسعر
حين أُعلن عن الاتفاق الأمريكي الإيراني في منتصف يونيو، كان المنطق الاقتصادي يقول: عودة إمدادات هرمز = انخفاض الأسعار = جيد للاقتصاد العالمي. ما لم يقله المنطق ذاته هو أن دول الخليج المنتجة ستُعجّل هي نفسها بدفع الأسعار إلى الأسفل.
المملكة العربية السعودية أعادت تشغيل التحميل من محطة رأس تنورة فور انفراج المضيق. الإمارات والكويت وقطر بدأت ضخ إمداداتها المتراكمة. والعراق الذي توقفت صادراته شبه تاماً خلال أشهر الحرب — لأن 100% من صادراته البحرية تمر عبر هرمز — يتسابق الآن لاستعادة عائداته المفقودة. بمعنى آخر: كل دولة تسعى لزيادة حصتها السوقية في اللحظة ذاتها التي يسعى فيها جميعهم معاً لتعويض خسائر الأشهر الأربعة.
الحسابات البسيطة تكشف الإشكالية: وكالة الطاقة الدولية قدّرت أن أكثر من 14 مليون برميل يومياً كانت مقطوعة عن الأسواق خلال ذروة الأزمة. إعادة ضخ هذه الكميات — ولو جزئياً ومتدرجاً — في سوق لم ينمُ طلبه بالوتيرة نفسها يعني سقوطاً حتمياً في الأسعار.
معادلة الموازنات الخليجية المعطّلة
كل برميل فُقد خلال فترة الحصار كان كلفة حقيقية. لكن كل برميل يُباع الآن بسعر 69 دولاراً يعني فجوة في الموازنة قد لا تكون بعيدة عن الأزمة.
سعر التعادل للموازنات الخليجية — أي السعر الذي تحتاجه الدول لتغطية نفقاتها العامة — يتفاوت بين الدول، لكنه في المتوسط يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل وفق تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026. السعودية تحتاج حول 78 دولاراً، والكويت نحو 65 دولاراً، في حين تحتاج العراق إلى ما يتجاوز 95 دولاراً لتمويل بنيتها التحتية وبرامجها الاجتماعية.
عند 69 دولاراً، بعض الموازنات في المنطقة ستضغط على احتياطياتها أو ستضطر لتقليص الإنفاق. والأشد ضغطاً هو العراق، الذي خرج من الحرب بخزينة استُنزفت وبنية تحتية متضررة، ويجد الآن أن الأسعار التي كان يأمل فيها لإعادة البناء قد هبطت قبل أن يبدأ.
أوبك+ أمام اختبار الإرادة
هنا يكمن المشهد الأعقد: أوبك+ كان لديها خطة لزيادة الإنتاج التدريجية قبل الأزمة، وانهار بعض هذا الإنتاج قسراً خلال الحرب. الآن مع عودة الإمدادات، تواجه المجموعة خياراً لا يسهل الحياد فيه: هل تُعجّل بزيادة الحصص تلبيةً للطلب المكبوت؟ أم تتمسك بضبط الإنتاج لدعم الأسعار؟
اجتماع الخامس من يوليو سيكون حاسماً. لكن الضغط الداخلي على التحالف يأتي من اتجاهين: دول تريد زيادة الإنتاج لتعويض الخسائر (العراق، العراق)، وأخرى تريد سقفاً سعرياً لا يتآكل أكثر. والإمارات التي غادرت التحالف أصلاً في مايو باتت تضخ خارج إطار أي قيود، مما يزيد من تعقيد المعادلة.
ما لا تقوله أسعار النفط الحالية
السعر المنخفض اليوم لا يعكس توازناً حقيقياً في السوق — بل يعكس موجة إعادة ضخ متسارعة في ظل هدنة هشّة. ثلاثة سيناريوهات قد تُعيد الرسم من جديد:
أولاً، انهيار الهدنة: أي تصعيد عسكري جديد في هرمز يُعيد الأسعار صعوداً بشكل مباشر وسريع. ما شهدناه هذا الأسبوع من ضربات أمريكية وإيرانية يُبقي هذا السيناريو على الطاولة.
ثانياً، بطء إعادة التشغيل: وكالة الطاقة الدولية وخبراء القطاع يُجمعون على أن استعادة الطاقة الإنتاجية الكاملة تحتاج أشهراً، لا أسابيع. إذا تعثّر التشغيل، يتراجع الضغط على الأسعار.
ثالثاً، تباطؤ الطلب: البنك الفيدرالي الأمريكي الذي يتوقع رفع الفائدة في سبتمبر أو ديسمبر قد يُبطئ النمو الاقتصادي الأمريكي والعالمي، مما يُضغط على الطلب من الاتجاه الآخر.
زاوية لا تراها نشرات الأخبار
ثمة تحوّل هيكلي تستحق المتابعة: سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية نجحتا نسبياً في تحويل جزء من صادراتهما خلال أزمة هرمز — عُمان عبر موقعها في خليج عُمان، والسعودية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. هذه التجربة الاضطرارية تُعجّل عملياً بالنقاشات حول تنويع طرق التصدير كأولوية استراتيجية لا ترفاً تخطيطياً. وهو درس مكلف ستبنى عليه استثمارات بنية تحتية في السنوات المقبلة.
للمستثمر ورجل الأعمال: السعر المنخفض نعمة وقصيرة الأمد في الوقت ذاته. فرص الاستثمار في قطاع الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية في المنطقة لا تزال جذابة هيكلياً — لكنها باتت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمآل المفاوضات في الأسابيع المقبلة أكثر من ارتباطها بأسعار النفط اليومية.
*المصادر: وكالة الطاقة الدولية (IEA)، بلومبيرغ، CNBC، وكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، صندوق النقد الدولي (تقديرات سعر التعادل 2026)، رويترز، ريستاد إنرجي.*





