قسم: أسواق السلع 28 يونيو 2026 |
في مطلع مارس 2026، رسم الذهب ذروته التاريخية متجاوزاً 5000 دولار للأوقية، يوم أعلنت واشنطن بدء عملياتها العسكرية ضد إيران. كان السوق يُسعّر أشد سيناريوهات عدم اليقين. ستة أشهر لاحقاً، يتداول المعدن قرب 4000 دولار، وقد خسر خلال هذا الأسبوع وحده نحو 5% إضافية.
عشرون بالمئة من القيمة تبخّرت. القصة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
ثلاثة أسباب لتراجع الذهب
السبب الأول: الدولار والفائدة: الذهب لا يدفع فوائد ولا يُدرّ عوائد. في بيئة تمنح سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين عائداً يتجاوز 4%، يُصبح الاحتفاظ بالذهب فرصة ضائعة. كلما ارتفعت توقعات رفع الفيدرالي للفائدة — كما حدث هذا الأسبوع — كلما تعاظم الضغط على المعدن. الدولار ارتفع إلى مستوياته الأعلى منذ عام، وهو ما يُقلّص جاذبية الذهب للمستثمرين الدوليين.
السبب الثاني : تراجع هواجس هرمز: جزء من الأثمان التي دفعها الذهب في مارس كان “رافعة الحرب”، تسعير الخوف من صراع مفتوح يُعطّل سلاسل الإمداد العالمية ويُشعل التضخم. مع بروز الاتفاق الأمريكي الإيراني وانخفاض أسعار النفط، تراجعت هذه الرافعة. الذهب يعود ليتداول على أسس اقتصادية أكثر من أسس أزمة.
السبب الثالث: بيانات التضخم الأمريكي: مؤشر أسعار الإنفاق الشخصي لشهر مايو جاء عند 4.1%، وهو مستوى مقلق لكنه جاء “في حدود التوقعات”. حين لا تُفاجئ بيانات التضخم بالارتفاع، يتراجع الطلب على الذهب كملاذ. المستثمرون يتساءلون: إذا كان التضخم يتراجع مع انخفاض أسعار الطاقة، لماذا التمسك بمعدن بلا عائد؟
لكن ليس كل ما يلمع يسقط بالقانون نفسه
المشهد الحالي للذهب يحمل تناقضاً صارخاً: السعر يتراجع، لكن البنوك المركزية لا تزال تُراكمه بأرقام قياسية.
تقارير مجلس الذهب العالمي أظهرت أن مشتريات البنوك المركزية العالمية تجاوزت 1100 طن في عام 2025، مستمرة في مسارها التراكمي بقيادة الصين والهند وتركيا وعدد من البنوك المركزية في آسيا الوسطى. هذا التراكم البنيوي لا يعكس قراراً تكتيكياً بل تحولاً استراتيجياً: تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار في عالم تتشكّل فيه توازنات جديدة.
البنوك المركزية لا تشتري وتبيع بمنطق المتداول اليومي، بل تبني مراكز طويلة الأمد. وما يعتبره المضارب “هبوطاً فرصة للبيع” قد يعتبره مدير احتياطي مركزي “هبوطاً فرصة للشراء”.
أربعة سيناريوهات لباقي عام 2026
سيناريو الهبوط الإضافي: إذا تحقق رفع الفيدرالي في سبتمبر كما تُسعّره الأسواق (احتمال 63%)، وإذا استمر التقدم في مفاوضات هرمز، قد يتراجع الذهب نحو 3700–3800 دولار. هذا الهبوط يحوّل المعدن من “مكلف” إلى “مغرٍ” بالنسبة لمن يراكمونه.
سيناريو الثبات النسبي: إذا راوح التضخم الأمريكي حول مستوياته الحالية دون قرار حاسم من الفيدرالي، ودون تصعيد في هرمز، يُتوقع أن يظل الذهب في نطاق 3900–4200 دولار. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.
سيناريو الارتداد: إذا عادت التوترات في هرمز وارتفعت أسعار النفط من جديد، كما أشارت إليه أحداث الجمعة، سيستعيد الذهب جزءاً من علاوة الخوف. يُشكّل ذلك دعماً فورياً للسعر.
سيناريو الذروة الجديدة: مشروط بتصعيد عسكري واسع أو أزمة دولارية مفاجئة أو انهيار الثقة في المؤسسات المالية الغربية. أقل ترجيحاً في الأشهر الستة المقبلة، لكنه سيناريو لا يُحذف من الحسابات البعيدة.
الزاوية الخليجية: الذهب ليس فقط استثماراً
في السياق الخليجي والعربي الأوسع، الذهب يحمل بُعداً اجتماعياً وثقافياً لا يوجد في معظم الأسواق الغربية. الطلب على المجوهرات — الذي يُشكّل تاريخياً أكثر من نصف الطلب العالمي — يتأثر بالدورة الاقتصادية لكنه يتمتع بمرونة أكبر للهبوط من الطلب الاستثماري.
أسعار الذهب الحالية في الأسواق المحلية تُترجَم بشكل مختلف حين تُأخذ بعين الاعتبار عوامل سعر صرف العملة المحلية وأسعار الصياغة والرسوم. المستثمر الذي يتداول في السوق المحلية يعيش معادلة أسعار تختلف نسبياً عن معادلة الدولار الخام.
ما يقوله التاريخ لمن يريد سماعه
في أعقاب كل تراجع حاد للذهب في السنوات العشرين الماضية، جاءت موجة شراء من البنوك المركزية والمستثمرين المؤسسيين أوقفت التراجع قبل أن يتحوّل إلى انهيار. الدعم البنيوي اليوم أقوى مما كان عليه في تراجعات 2013 و2018: الديون العالمية أعلى، والتوترات الجيوسياسية أعمق، وسرد “تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار” أكثر رسوخاً في عقول مديري الثروات.
لكن التاريخ أيضاً يُذكّر بأن المعدن الذي سُمّي “ملاذاً آمناً” قد يتعرض لضغوط قصيرة الأمد تبدو منافية للمنطق. التوقيت — لا الاتجاه — هو الاختبار الحقيقي لمن يُفكّر بالدخول.
المصادر: مجلس الذهب العالمي، بلومبيرغ، تريدينغ إيكونوميكس، إنفستينغ دوت كوم، الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ماكرو أكسيس.






