قسم: أمن غذائي وسلاسل إمداد 28 يونيو 2026 | هرمز فيو
في الحادي عشر من يونيو، أصدرت وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) تقريرها الشهري لتوقعات العرض والطلب (WASDE). الرقم الذي جاء مدوّياً وبعيداً عن الأضواء الإعلامية المشغولة بهرمز والنفط: إنتاج قمح الشتاء الأمريكي لعام 2026 تراجع إلى 1.030 مليار بوشل، بمتوسط غلة 46.8 بوشل للفدان. هذا ليس فقط أقل من التوقعات، بل هو الأدنى منذ أكثر من عقد.
في عالم آخر، كان هذا الرقم سيتصدر نشرات الأخبار الاقتصادية. لكن في عالم 2026، حيث صدمة هرمز والفيدرالي الأمريكي والذهب تتنافس على الاهتمام، دخل خبر أزمة القمح عبر الباب الخلفي. وهذا بالضبط ما يجعله أشد خطورة.
ما الذي أضرّ بالمحصول الأمريكي؟
الأسباب مزيج من الطقس والسياسات الزراعية والكوارث التي يصعب عزلها عن بعضها:
موجات الجفاف ضربت ولايات مزارعة القمح الكبرى في الحزام الزراعي — كانساس وأوكلاهوما وتكساس — في توقيت حساس من دورة نمو القمح. درجات الحرارة المرتفعة في أبريل ومايو أسرعت في نضج المحصول دون أن تمنحه الوقت الكافي لاكتمال حبوب الحنطة، مما ضغط على الغلة للفدان.
على الجانب الآخر من الأطلسي، تشير تقارير تحليلية مؤسسة إلى تعافٍ نسبي في المحاصيل الأوروبية وإمدادات أوكرانية أفضل مما كان مخشياً. لكن الاكتفاء بهذه المقارنة يُخطئ في تقدير الصورة: السوق العالمي للقمح يعمل بهوامش ضيقة، والكميات الأمريكية المفقودة ليست هامشية.
الخليج والاعتماد على القمح المستورد: أرقام تُقلق
دول الخليج العربي تستورد ما بين 85% و100% من احتياجاتها من القمح. لا يوجد في المنطقة — ربما باستثناء بعض المحاصيل السعودية المحدودة- ما يمكن الاعتماد عليه. وفي ظل حرب هرمز التي أوضحت هشاشة سلاسل الإمداد، تكتسب هذه الأرقام وزناً إضافياً.
عُمان تستورد القمح بشكل رئيسي من أستراليا وأمريكا الشمالية والهند. الإمارات والسعودية لديهما احتياطيات استراتيجية تُتيح امتصاص صدمات قصيرة الأمد. لكن هذه الاحتياطيات لم تُصمَّم لصدمات متزامنة: أسمدة أغلى (بسبب انقطاع هرمز)، وقمح أمريكي أقل، وأسعار شحن لم تعد إلى طبيعتها بعد.
الأسمدة هنا تُشكّل حلقة الضعف الأهم في السلسلة: قرابة نصف إنتاج اليوريا العالمي يُصنَّع في منطقة الخليج ويمر عبر هرمز. المزارعون الذين يعتمدون على الأسمدة الخليجية — وعددهم يمتد من جنوب آسيا إلى أفريقيا — دفعوا فاتورة الحصار مرتين: مرة في الأسمدة الغالية، ومرة في محاصيل أقل كفاءة.
من يملأ الفراغ؟
حين يتراجع المعروض الأمريكي من القمح، ثلاثة مصادر بديلة تتنافس على ملء الفراغ:
روسيا: لا تزال أكبر مُصدّري القمح عالمياً. لكن العقوبات الغربية تُعقّد مسارات الدفع، وتُكلّف بعض المستوردين علاوة سعرية خفية. دول الخليج لا تواجه هذا العائق بالدرجة نفسها، لكن التنويع من مورد واحد سياسة حكيمة في كل الأحوال.
أستراليا: تتمتع بمحصول واعد لعام 2026، وعلاقات تجارية متينة مع دول آسيا والخليج. ميناء فريمانتل يبدو اليوم أكثر استراتيجية مما كان عليه قبل عام.
الأرجنتين: محصولها وصل إلى 50 مليون طن بحسب آخر تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية، وهي إضافة حقيقية للعرض العالمي. لكن المسافة والخدمات اللوجستية تُترجم إلى تكلفة إضافية للمستورد الخليجي.
الغذاء والتضخم: الرابط المهمَل
بيانات التضخم الأمريكي أظهرت أن أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة 1.9% في مايو على أساس شهري. في الاقتصادات الخليجية حيث الغذاء يُمثّل نسبة أعلى من سلة المستهلك مقارنة بأمريكا، هذا الارتفاع يُترجَم بتأثير أوسع على القدرة الشرائية للأسر.
التضخم الغذائي في سياق فائدة مرتفعة ونفط متقلّب يُنتج ضغطاً اقتصادياً مزدوجاً تحتاج الأسر والشركات للتخطيط له.
الدرس الاستراتيجي
أزمة قمح 2022 — حين أغلقت روسيا أمام صادرات أوكرانيا — أطلقت موجة واسعة من الاستثمار في صوامع الحبوب وأمن الغذاء في دول الخليج. أزمة هرمز 2026 أضافت طبقة جديدة من الإدراك: ليس فقط الغذاء نفسه عرضة للانقطاع، بل أيضاً الأسمدة التي تُنتجه، والوقود الذي ينقله، والطرق البحرية التي تُمرّره.
في هذا السياق، الاستثمارات في الزراعة المائية والاكتفاء الغذائي المحلي والمزارع الخارجية التي تتبنّاها دول كالإمارات وسلطنة عمان والسعودية وقطر تبدو أقل ترفاً وأكثر ضرورة. الفجوة بين ما هو موجود وما هو مطلوب تُشير إلى حجم الفرصة أمام القطاع الخاص.
وإذا كان شيء واحد علّمتنا إياه أشهر يناير إلى يونيو 2026، فهو أن الصدمات لا تأتي وحدها. تتضافر وتتراكب، وتتفاجأ بأسرع مما يُقدّر المخططون.
المصادر: وزارة الزراعة الأمريكية (USDA/WASDE، يونيو 2026)، ADM إنفستور سيرفيسز، البنك الدولي، منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، الجزيرة الإنجليزية، بلومبيرغ إيكونوميكس.






